المسعودي
133
مروج الذهب ومعادن الجوهر
القمر بعض الكواكب السيارة في أحد الميلين تزايد الفعلان ، وقوى الحمى واشتد لذلك سيلان الهواء ، فاشتد لذلك انقلاب ماء البحر إلى الجهة المخالفة للجهة التي ليس فيها الشمس . قال المسعودي : فهذا رأي يعقوب بن إسحاق الكندي وأحمد ابن الطيب السرخسي فيما حكاه عنه حكيناه عنهما : أن البحر يتحرك بالرياح ، ورأيت مثل ذلك ببلاد كنباية من أرض الهند وهي المدينة التي تضاف إليها النعال الكنبائية الصرارة وفيها تعمل وفيما يليها مثل مدينة سندارة وسريارة ، وكان دخولي إليها في سنة ثلاث وثلاثمائة ، والملك يومئذ بانيا ، وكان برهمانيا من قبل البلهري صاحب المانكير ، وكان لبانيا هذا عناية بالمناظرة مع من يرد إلى بلاده من المسلمين وغيرهم من أهل الملل ، وهذه المدينة على خور من أخوار البحر - وهو الخليج - أعرض من النيل أو دجلة أو الفرات ، عليه المدن والضياع والعمائر والجِنانُ والنخل والنارجيل والطواويس والببغاء ، وغير ذلك من أنواع طيور الهند ، بين تلك الجنان والمياه وبين مدينة كنباية وبين البحر الذي يأخذ منه هذ الخليج يومان ، أو أقل من ذلك ، فيجزر الماء عن هذا الخليج حتى يبدو الرمل في قعر الخليج ويبقى في وسطه القليل من الماء ، فرأيت الكلب على هذا الرمل الذي ينصب عنه الماء وقعر الخليج قد صار كالصحراء ، وقد أقبل المد من نهاية الخور كالخيل في الحَلْبَة ، فربما أحس الكلب بذلك فأقبل يُحضِرُ ما استطاع خَوفاً من الماء ، فيطلب البر الذي لا يصل إليه الماء ، فيلحقه الماء بسرعته فيغرقه ، وكذلك المد يرد بين البصرة والأهواز في الموضع المعروف بالباسيان وبلاد القندر وبلاد الهند ، ويسمى هنالك الذئب أزيب ، له ضجيج ودَويٌّ وغليان عظيم يفزع منه أصحاب السفن ، وهذا الموضع يعرفه من يسلك هنالك إلى بلاد مورق من أرض فارس ، والله أعلم .